إن المعرفة بناء تراكمي، وعلى الباحث دوما أن يحاول البداية حيث انتهى الآخرون؛ ليُقدِّم إضافة نوعيّة فعالة تساهم في البناء المعرفي؛ لذا يتعين عليه معرفة ما أنتجه غيره، ومناهج تناولهم لذلك... ويُعتبر البحث العلمي الوسيلة المثلى التي تخوِّلنا الوصول إلى الحقيقة المعرفية بشتى أنواعها، ومن مختلف مصادرها، وهو بلا ريب ضرورة حضارية، تمكّن صاحبها من سلاح تلك الحقيقة التي هي سبيل النجاح في الدنيا والسعادة في الآخرة . ويكون -في كثير من الأحيان- واجب شرعي، نحاول أن نتعرف به على الصواب في الإشكالات التي تعترض الإنسان في مختلف مجالات الحياة. وهو قبل ذلك أمانة يجب على متحـمّليها الوفاء لها بـصدق ونزاهة..، إذ هو مسؤول عن ذلك إن قصّر أو انحرف أو خاض بجهل، قال الله تعالى :{ولا تقفُ ما ليس لك به علمٌ إن السّمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا}[الإسراء: 36]. والباحثون على اختلاف مستوياتهم : منهم من يتمتع بالكفاءة المطلوبة التي تجعله جديراً بأن يكون باحثاً، ومنهم من يفتقر إلى تلك الكفاءة..؛ الشيء الذي يُبقي بحوثهم بمعزل عن المنهج العلمي. ومن جانب آخر فإن فريقاً من هؤلاء الباحثين يحظى بالتوفيق في اختيار موضوع بحثه، وتحديد الإشكالية التي يرمي إلى حلّها، كما أنه يسـتشير من يرشده إلى المـصادر والمراجع فيوجـهه إلى خـفايا وجزيئات قد لا يصل إليها إلا بعد جهد جهيد. والفريق الآخر يفوته حظ من التوفيق في هذا الجانب، فقد يختار أحدهم موضوعا بدون تمحيص ولا استشارة لأهل الاختصاص، فيشقى في مراحل البحث ثم لا يصل إلى هدف ذي بال ولا يحقق نتيجة يُعوّل عليها .. ولذلك كان من التقاليد المعمول بها في المؤسسات الجامعية أن الطالب لا يُقبِل على بحثٍ إلا بعد أن يتداول فيه المجلس العلمي للمؤسسة التي ينتسب إليها ويوافق عليه، ثم يواكبه في مسيرة البحث أستاذ ذو خبرة ودربة، يضطلع بتوجيهه طيلة مراحل بحثه، ويكون مشرفاً على عمله. وانطلاقا من هذا الواقع : واقع التردُّد الذي يعاني منه بعض الطلبة أثناء اختيار موضوع البحث في مجال التراث الإباضي، والتكرار الـمُلاحظ في بحث بعض المواضيع وتحقيقها، والانعدام الرهيب في بحث جوانب أخرى لا تقل أهمية عن غيرها؛ قامت "الجمعية" بإعداد دليل أسمته:
وقد استعانت في هذا العمل بثلة مباركة من الأساتذة والباحثين، شاركوا بمقترحاتهم وآرائهم، كلٌّ حسب تخصُّصه، فاستقامت مشاركاتهم-بعد ترتيبها والتنسيق بينها- دليلا جاهزا في متناول الباحثين، هو -دوما- في حاجة إلى تفعيل وتحديث ومساهمات عملية..، وقد رُتب هذا الدليل على 27 تخصصا، يمكن اقتصار الدخول إليها عبر المداخل الأساسية الآتية، ودون بعضها مداخل فرعية :