| التراث
كيان قائم في ذات كل واحد منا، إذ هو ذاكرته التي سجَّلها
في أمسه القريب، وتاريخه الذي رُوي له عن ماضيه البعيد،
ولا يعيش حاضره إلا بوحي منه واستلهام، ولا يسير نحو
مستقبله إلا تحت تأثير من رصيده المعرفي، ويحتل الماضي
فيه مساحة لا تقل أهمية عما تعلمه من تجارب الأقوام
الأخرى، والتي بدورها تعد نتاجا للتراكم المعرفي، الذي
بدأ من نقطة ما في الماضي السحيق..
والتراث الإسلامي لا تربطنا به هذه العلاقة المنطقية،
التي هي اضطرارية في كثير من الأحوال فحسب، بل إن الوحي
الإلهي الذي نشأ تراثنا وترعرع على ضوئه؛ ليحض على توثيق
هذه العلاقة وتثمينها، ومن تجليات ذلك التأكيد -مرة
تلو الأخرى- على أن سنة الله تبارك وتعالى في خلقه لا
تتبدل ولا تتغير، ثم لفت الانتباه إلى أحوال الأمم السابقة
والحث على السير في الأرض لاستجلاء العبر، والدعوة إلى
التفكير العميق في أحوال الخليقة نشوءا وارتقاء لأجل
التمكين من أسباب الحياة السعيدة..
هذا، وإن العمل على إبراز الفلسفة والسعي إلى وضوحها
(التصورات الأساسية والأفكار العامة لجوهر الشيء وماهية
العمل..) ضرورة ملحة على كل هيكل يصبو إلى الفَعّالية
في الأداء، سواء كان فردا أو جمعية أو مؤسسة أو...،
وذلك يتم -طبعا- على مستوى المنطلقات الفكرية والمرجعيات
الأولية قبل تحديد الأهداف والإستراتيجيات، فضلا عن
التفكير في الوسائل والآليات. وحيث إن الجمعية تعمل
في حقل التراث الشاسع، فإن الانطلاق في العمل يجب أن
يكون من وضع فلسفة لذلك التراث، أو بالأحرى تبنِّ فلسفة
تعمل على إضاءة مسار الجمعية في استراتيجيتها وأهدافها،
وتصنع قناعات العمل وقراراتها.. على أن يكون هنالك تفعيل
دائب لها، ومناقشة مستمرة لمناحيها المختلفة: مناقشة
مفاهيم التراث ؟ مشروعية خدمة التراث وضرورتها !؟ التراث
والتخطيط لمستقبل الأمة ؟ العمل التراثي بين تخصيب الفكر
والخيارات التقنية ؟! التراث والوحي الإلهي؟ واقع الناس
والتراث ؟ التراث بين الحداثة والعولمة ؟ ..
|